عبد الرحمن بدوي

34

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

حجج برقلس في قدم العالم بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ أعن الحجة الأولى : من حجج ابرقليس التي يبرهن بها أن العالم أبدى : قال : إن الحجة الأولى من الحجج التي نبيّن بها أن العالم أزلي مأخوذة من جود الباري ، فإنه لا إقناع أثبت منه في البرهان : من أمر الكل على أنه مثل ما عليه : أتاه الحق ، وعنه كان وجوده . وذلك لما كان للجود وحده كون الكل ، فأتى به لأنه ليس يجوز أن يقال إن خلقه لغير « 1 » الجود . وليس هو حينا جوادا وحينا « 2 » ليس « 3 » بجواد فهو دائما « 4 » سبب لوجود العالم ، إذ كان كون العالم مساويا لكون الباري ، فإنا لا نجد شيئا يتعلق به بوجه أن يكون إنما فعل العالم لأنه جواد ، ولا يكون أبدا بفعله « 5 » . وهو أبدا جواد . فإذ قد كان أبدا جوادا ، فأبدا يحب أن تكون الأشياء كلها مشاكلة له . وإذ كان يحب الأشياء كلها مشاكلة له ، فهو يقدر على أن يجعل جميع الأشياء مشاكلة له ، إذ كان ربّ الأشياء كلها والمالك لها . فإذا كان يحب أن تكون الأشياء كلها مشاكلة له ويقدر على أن يجعل الأشياء كلها مشاكلة ، فهو أبدا يفعلها . وذلك أن كل ما لا يفعل ، فتركه الفعل : إما لأنه لا يشاء أن يفعل ، وإما لأنه لا يقدر أن يفعل - إن كان ممن يجوز عليه أنه قابل لأحد الأمرين . فإذا كان الباري تعالى من قبل جوده فعل العالم ، ففعله أبدا . فيجب من ذلك أن يكون العالم غير مكون منذ زمن ، ولا فاسدا في زمن . وذلك أن القول بأنه غير قادر على أن يفعل ما يشاء - مما يستحق أن يهزأ به ، لأنه يلزم متى كان حينا قادرا

--> ( 1 ) ص : لغيره . ( 2 ) ص : حين . ( 3 ) فوقها : غير . ( 4 ) ص : دائم . ( 5 ) أي : خلق الباري إنما فعل العالم لأنه جواد ، فلا يمكن ألا يكون أبدا بفعله .